الخميس، 17 يناير 2013

البناء العبادي للطفل


http://www.e-happyfamily.com/images/5.jpgبالتربية الإيمانية نحلّق مع أبنائنا

 والعبادة جناح



الدكتور مصطفى أبو سعد

البناء العبادي أسسه ومراحله:إن أهم قضية ينبغي أن يحرص المربي على زرعها في نفس الطفل – بعد العقيدة – هي العبادة أو العبودية للخالق من خلال الالتزام بأداء فرائض الإسلام والتمسك بأحكامه، إذ البناء العقدي لا ينفصل عن البناء العبادي، والإيمان هو اعتقاد راسخ، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان.
.
والبناء العقدي يبدأ من خلال حرص المربي على تعميق معنى العبودية لله عز وجل في نفس الطفل، وذلك من خلال إبراز صفات الخالق المنعم على الإنسان بنعمة البصر، والطعام والكساء والمال.. هذه الصفات التي تقتضي شكر المنعم على فضله وإحسانه تعمّق في نفس الطفل الإحساس بقيمة نعم الله علينا ثم ضرورة شكر هذه النعم والذي لا يتم إلا من خلال عبادته سبحانه. إنّ الشكر هو المنطلق، ثم تبدأ مراحل البناء العبادي مرحلةً مرحلة، وأولها:

- تحديد وزرع معنى العبادة:قبل الشروع في تلقين أطفالنا أنواع العبادات ينبغي أن نزرع لديهم معاني العبادة، ومقاصدها في ديننا الحنيف، ويمكن بث جملة من هذه المعاني بتسلسل وتبسيط يراعي قدرات ومدارك أطفالنا ومنها:
.
- العبادة هي أن تحمل سلوكك على أمر الله.
- العبادة هي التلقّي من الله وحده في أمر الدنيا والآخرة. هي طاعة الله والتقرب إليه والخضوع له والتزام شرعه.
- العبادة: التوجه إلى الله بكل عمل ابتغاء مرضاته في الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.
.
- بث مقاصد العبادة في نفس الطفل:
هذه المقاصد هي أجوبة على سؤال نطرحه: لماذا نعبد الله؟ طرح السؤال ثم تفصيل الجواب عليه يثبت المعنى أكثر عند الطفل.. فلماذا يعبد الإنسان ربه؟
.
- لأن العبادة حق الله على عباده: يقول تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت راكباً خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) (متفق عليه).
.
- العبادة عهد الله إلى الناس: يقول تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين، وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم}.
.
- العبادة مظهر لشكر نعم الخالق: يقول تعالى: {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين}.
.
- عبودية الله عين الحرية: لخّص هذا المعنى الجندي المسلم ربعي بن عامر لرستم قائد جيش الفرس قائلاً: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام).
.
- العبادة طريق لنيل محبة الخالق: يقول تعالى في الحديث القدسي: ((ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبَ إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينّه وإن استعانني لأعيننّه)
.
- مراحل تعويد الطفل على العبادة:إن غرس الأب فكرة العبودية لله عز وجل بشكل عميق في نفس الطفل يجب أن يعتمد على مهارة الأب أو المربي في ملاحظة مظاهر الكون، والربط بين هذه المظاهر وفكرة العبودية، عملاً بالآية الكريمة: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم}. وهذا الربط بين الطفل ومظاهر الكون يقدم له توازناً نفسياً رائعاً غير مباشر، حيث يحس الطفل أنه جزء من ملايين الأجزاء المتناسقة التي تسير بنظام دقيق جعلها الله عليه، وتسير إلى غاية واحدة. كما إن غرس المربي لمعنى العبودية يسهل عليه المراحل التالية في عملية البناء العباديّ.
.
المرحلة الأولى: مرحلة التلقين والتحبيب (الصلاة أنموذجاً)التربية عادة ما تقوم على التلقين والمحاكاة والتقليد. ذلك أن الطفل ينشأ فيعمل ما يعمله أبواه، فإذا كانا يقيمان الصلاة فعل مثلهما وانطبعت في ذهنه تلك الصورة وتأثّر بها مدى الحياة. فيبدأ الوالدان بأمر طفلهما بالوقوف معهما للصلاة.
.
المرحلة الثانية: مرحلة التعليميبدأ الوالدان بتعليم أطفالهما أركان الصلاة وتعريفهم بالأمور التي تسبق الصلاة من طهارة ولباس واستقبال للقبلة. ثم بيان مفسداتها كذلك. وقد حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم سن السابعة بداية مرحلة التعليم حيث قال: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر) (رواه مسلم).
.
المرحلة الثالثة: مرحلة التطبيق والمحاسبةعلى الوالدين والمربين مراقبة جانب التطبيق للعبادة وذلك بأمر الطفل بالصلاة وهو في سن السابعة امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السالف الذكر. فإذا تهاونوا عن الصلاة وتكاسلوا جاز لهم استخدام الضرب فقط بعد وصول الطفل لسن العاشرة. لأن الإسلام يهتم بسن الطفولة لأنها أكثر قابلية للتعليم والتأثير والمحاكاة، ومن هنا جاء أمر الرسول صلى الله عليه وسلم المربين بتدريب الأطفال على العبادات وأداء فرائضها، وفعل الخيرات متى بلغوا سن التمييز، كما أمرهم بالأخذ بالحزم والشدة إذا قاربوا سن المراهقة. والضرب هنا ليس مقصوداً لذاته، بل المراد به إشعار الولد بأهمية ما يؤمر به، وجدّية الأب في أمره به، وتعويد الطفل على الحرص في تنفيذ ما يؤمر به فلهذا جاء الأمر بالضرب لإشعار الطفل بأن الأمر جدّ لا هزل فيه، وللضرب شروط نتعرض لها إن شاء الله في الوسائل التربوية في مقالاتٍ خاصة بذلك. (راجع أيضاً المقالات المتعلقة بهذا الموضوع في أعداد 52- أغسطس و53 سبتمبر 2009)
.
المرحلة الرابعة: مرحلة اصطحاب الأطفال إلى المساجد وتعويدهم على حضور صلاة الجماعةإن واجب الآباء والمربين اصطحاب أبنائهم إلى المساجد وتدريبهم وتعويدهم على صلاة الجماعة لأن غاية المسجد طهارة النفس من الآثام والمعاصي والعداوة والحسد، إذ يجتمع الناس مراراً في كل يوم على سلامة الصدر وبراءة القلب وروحانية النفس. ولاصطحاب الأطفال إلى المساجد مزايا تربوية متعددة منها:
.
- شعور الطفل أنه أخ لكل من في المسجد، وأنه مساوٍ له، فتنمو عنده روح المساواة الحقيقية، إذ لا امتياز لأحد على أحد فالكل سواسية عند الله وبين يديه.- يربي لديه النزعة الاجتماعية فيحس بقوة الجماعة ووحدتها وأخوتها في ظل هذا اللقاء الطاهر في ضيافة الله.- يتعود الطفل في صلاة الجماعة التنظيم وتوحيد الصفوف من خلال أداء أعمال واحدة وراء إمام يرمز إلى القائد الذي ينبغي له أن يطاع، وما يعكسه ذلك من روح محبة للنظام والطاعة في مختلف جوانب الحياة.- تطبعه بطابع خلقي جميل تصنع منه مستقبلاً عضواً حياً يعمل وينتج ويعم خيره على الناس.- تدريب على سماع الوعظ والإرشاد من خلال خطبة الجمعة، وسماع أحكام الله فيما يحل وما لا يحل.
(محمد سعيد مولوي: كيف يربي المسلم ولده: ص 119).
.
- كيف يربّي المسلم ولده على العبادة؟لمّا كان الولد ولداً فإنه قد يسهو عن صلاته وقد يتهاون بها، وهنا يبرز دور الوالدين كبيراً، فإن الوالد إذا استيقظ صباحاً لصلاة الفجر، وجب عليه أن يوقظ زوجه وأولاده، وإن من الأمور المنحرفة التي يقع فيها الآباء أن يأخذ الأب العطف والحنان نحو أبنائه، فيمنعه من إيقاظهم وقد رآهم نياماً، مع أن العطف والحنان يقتضيان إيقاظهم، حتى يتعلم الابن القيام للصلاة فيكون بذلك نجاة له يوم القيامة.
.
ويحسن بالوالد أن يشرف على وضوء أولاده، ويتحيّن المناسبات، فيوجّه ملاحظاته مفرّقةً بين الحين والآخر، فإذا مضى نحو المسجد، دعا ابنه للذهاب معه، وبيّن له وهما سائران نحو المسجد فضل السعي إلى صلاة الجماعة، وما تقدم للمسلم من خير في الدنيا والآخرة، وذكر له ما تمتاز به من عظيم الأجر على الصلاة في البيت. وإن كان المسجد بعيداً، أو يعسر الوصول إليه، فإنه يجدر بالأب أن يجمع عائلته على صلاة الجماعة، فيصفَّ أبناءه وراءه أو إلى جانبه ويصلّي بهم. كما ينبغي على الأب أن يحض أبناءه على صلاة السنة.
.
فإذا انتهى الجميع من صلاة الفجر، فإنه على الأب أن يجلس أبناءه أمامه، ثم يطلب إليهم أن يقرؤوا من مصاحفهم، ويسعى شيئاً فشيئاً في بيان أحكام التجويد والتلاوة، فإن الطفل بهذه الطريقة سيحسن القراءة والتلاوة، ويتعلم أحكام التجويد، دون أن يشعر بأية صعوبة. ومن المفيد أن نجعل بدلاً من حصة القرآن أو الحديث أحياناً حصة في السيرة النبوية، فنقرأ على أبنائنا صفحات مشرقة من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام.
.
ولا أحب أن يفهم أحد أن ما نشير إليه يجب أن يدفع الأبوين إلى التزامهما التزاماً دائماً مكثفاً، بل إننا نرى المناوبة بين الحديث مرة، والسيرة مرة أخرى، وعدم القراءة مرة ثالثة، والحديث عن سير الصالحين أو الأولاد البررة مرة رابعة. فذلك يبعث على النشاط في نفوس الأولاد، فنحن لا نريد أن نشعر الأولاد بضغط ما يعطى لهم – وهم أولاد قبل كل شيء – بل نريدهم متفتحي النفوس، مقبلين على تلقي العلم والمعرفة بحماس ورضا.
.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإنها إذا كلّت عميت) (رواه أبو داود).
.
الصوم والبناء العبادي:اهتمّ الإسلام بسنّ الطفولة لأنها أكثر قابلية للتعليم والتأثير والمحاكاة، لذا يأمر الآباء والمربين بتدريب أطفالهم على الطاعات وأداء الفرائض حتى يبلغوا سن التمييز، ويحبّب للصغير الصيام متى أطاقه.
.
فوائد تربوية لصيام الأطفال:1- الصيام يغرس خلق المراقبة والصبر والاستقامة.
2- يعود النظام والطاعة والالتزام لأن العبادات تأتي في أوقات محددة، وتخضع لنظم ثابتة.
3- يتعوّد الأمانة في كل أمور حياته لأن الصوم تربية للضمير، يحرص الصائم على مرضاة ربه في كل الأحيان والأحوال.
4- يُشعره بمساعدة الفقير والمحتاج، ويذكره بضرورة مساعدته، ويربي مشاعره على الإحساس بآلام غيره فيسعى إلى مواساته.
.
تعويد الطفل بالتدريج:1- الصوم الجزئي: كأن يتعود الطفل الإمساك إلى منتصف النهار أو إلى العصر، حتى إذا قوي على ذلك واعتاده انتقل إلى مرحلة تالية.
2- التدرج في الصوم: يبدأ صوم يوم كامل، ثم يفطر أياماً، ويزيد أيام صومه بعد ذلك تدريجياً وهكذا.
3- يجنّب الطفل الصوم في أيام شديدة الحر.
4- عدم الإفراط في النشاط الحركي والرياضة أثناء صوم للطفل.
5- إيقاظ الطفل لتناول وجبة السحور.
6- في حالة إحساسه الشديد بالجوع والعطش ينصح بالإفطار وعدم المكابرة.
.
متى يبدأ الطفل بالصيام ؟لا يمكن إعطاء سنّ معينة لذلك، لأن الأمر يتعلق ببنية الطفل ومدى تحمله بالدرجة الأولى، لكن يمكن تدريبه – لا إرغامه – على هذه الطاعة.
.
- الزكاة والطفل:يعوَّد الطفل على الصدقة من خلال تشجيعه على التبرع بجزء من ماله الخاص أو مصروفه لمن يحتاجونه كما يتم ذلك من خلال الصناديق والمجالات الخاصة بالتبرع لجهات خيرية. ففي ذلك تربية عبادية واجتماعية ثمينة للطفل.
.
- الحج والطفل:عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ركباً بالروحاء فقال: من القوم؟ قالوا: مسلمون. فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله. فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر. (رواه مسلم)
- يعلّم الطفل مناسك الحج ومقاصده بشكل مبسط يراعى فيه سنه وإدراكه حتى ينشأ على محبة بيت الله الحرام ومحبة شعائر الحج.
.
خلاصة القول في التربية الإيمانية:يهدف المربي من خلال التربية الإيمانية (العقدية – العبادية) إلى توثيق العلاقة بين الطفل وخالقه سبحانه لتكون فلسفته في الحياة مبرمجة حسب التعاليم الربانية. إنّها تربية تربط كل مجالات الحياة الإنسانية بالله ومنهج الله الذي يجعل كل أعمال الإنسان تنطلق باسم الله وفي سبيل الله. فيتقيّد الإنسان بالحلال والحرام ويواجه الحياة وفق أحكام شرع الله.
.
- التربية الإيمانية هي المنطلق والأساس المتين لبناء الإنسان الصالح عند ربّه، والصالح لأمته، ومجتمعه، وأسرته، ونفسه، الصالح للبيئة وللحيوان… وللكون كله.- التربية الإيمانية هي الميزان الذي يحقق التوازن بين المادة والروح، والاعتدال في السلوك والعواطف والأفكار.
أهمية التربية الإيمانية تفوق أهمية الغذاء اليومي للطفل إذا لم يؤدِّها المربي حق الأداء فكأنه ما قدم لابنه شيئاً {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة}.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق